.: انت الزائر رقم :.

    اعترافات طالبة !!!

    شاطر
    avatar
    zizou

    ذكر
    عدد الرسائل : 647
    نقاط : 37312
    تاريخ التسجيل : 07/12/2008

    اعترافات طالبة !!!

    مُساهمة من طرف zizou في 26/11/2010, 23:25


    أستاذتي الكريمة:
    هاأنا سأودع أيام الدراسة، ولكنني لن ألوح مودعة إياك، بل سأمد يدي إليكِمستغيثة، راجية ألا تتركيني وحيدة، أتخبط في الظلمات، وتأكل قلبي الحسرات.
    سأبوح لكِ بسري، وأشكو مأساتي، أحكي قصة عذابي وضياعي، وقصة صحوتي، سأحكيها صريحة، لأنني صادقة في التماس العون.
    فاعذريني إن كنتُ جريئة في شكواي، إلى حد يخرجني عن دائرة الجرأة إلى شيء لا أحب أن أسميه.
    ستقرئينصفحات سوداء شوهاء من صفحات عمري ما عدا الأسطر الأخيرة منها.. ستجدينكلماتها خُطت بدموع التوبة وحرقة الندم، عدت من دروب التائهين، صحوتُ مننومة الغافلين، ألم الصدمة صحاني وصوتك أعادني .
    سأجيبك بصراحة، سأعرفك باسمي ورسمي، كما هو، وكما عرفه كل من حولي.
    أنا (( رشا )) الآثمة.. أنا (( رشا )) المستهترة.. هذا ما قاله الناس عني، وعرفته حقيقة موحشة في ذاتي.
    أنا الطالبة الكسولة الوقحة، أنا الطالبة الخمولة (( رشا ))أجلس دائماً في المقاعد الأخيرة منحنية الظهر مطأطئة الرأس، مختلية منأحزاني، أو سارحة مع أحلامي، أحلق، أسرحُ مع أحلام الوهم، لكنني في حصتكالدرسية، كنتُ أسقط من عالم الأحلام إلى عالم الحقيقة، لأنكِ تداهمينخلوتي دائماً، وتخترقين عالم أحلامي، تلقين عليه بضع كلمات، فتتهاوىجُدُره اللامعقولة فوق رأسي، وتغدو سراباً، وأعود إليكِ، أبقى معكِ كلالدرس، وأنت تجوبين ببصرك وبصيرتك بيننا، تنبهين كل طالبة شاردة، وتنشطينكل طالبة خمولة، تؤانسين كل طالبة منزوية بمداعبة لطيفة.
    أما أنا فكنتكلما حط بصرك علي رفعت رأسي، وشددت ظهري، وخرجت من عالمي السحري. كنت معكِمعظم أوقاتي، بينما كنتُ منبوذة من معظم مدرساتي. منهن من تواصل تقريعي،ومنهن من تتحاشى الحديث معي، أو حتى النظر إلي، خوفاً من كلمة فظة أقولها،أو نظرة وقحة أرسلها، وحدك أنتِ عاملتِ ((رشا)) الوقحة، ذات العينين الساخطتين الحائرتين على أنها طالبة، فأحببتك رغم حزمك، وأكبرتُ فيك صفاتٍ أنكرتها على نفسي .
    أحببتك،رغم أن قلبي القفر ما كان يعرف الحب لأحد، كان قلباً مقفراً من كلالأحاسيس، إلا أحاسيس الكراهية والحقد والسخط على كل الناس.
    أنا أعرف قلبكِ الذي عودته حب الناس يفر من لقاء القلوب الحاقدة، لكن دعيني ألتقيك لقاء الحاجة، حاجة الأرض العطشى لقطرات ماء.
    فاسمحي لي أن أفضفض لكِ، واستمعي لحكايتي :
    قبلسنوات كنت إنسانة ككل الناس، فتاة خلوقة، طالبة مهذبة، أنعم بحضن الأبوحنان الأم، وجو الأسرة، أمضي إلى مدرستي، تلاحقني توجيهات أبي، وملاحظاتأمي، أهتم بدروسي أحترم مدرساتي، أحب أهلي وصديقاتي إلى أن جاء اليومالمشؤوم، يوم سافر أبي إلى موسكو، ليتاجر، ليجمع المزيد من المال.
    كمحسبتُ لهذا اليوم، كم تهيبت مجيئه، ولما أزفت ساعة السفر لجأت إلى فراشي،أغرقتُ وسادتي بالدموع، وأغرقتُ نفسي في بحر من الحزن، تصنعت النوم، ومابي نعسة.
    ما أقساها من لحظات ما أقسى لحظات الوداع، ولاسيما عندما لايقول المودع إلى اللقاء في غدٍ أو بعد غد، أو في الأسبوع القادم، لم يقلأبي شيئاً من هذا القبيل، بل راح يبرر سفره في نقاش كان بينه وبين أمي.
    -قالت أمي بلهجة حزينة: لقد أتعبتني بكثرة أسفارك، في كل سفر أقول: أسبوعويمضي، شهر ويمضي، عساه أن يكون آخر سفر.. لكن سفرك هذا طويل ستغيب عناسنة كاملة، كم ستكون أيامها طويلة وصعبة!
    - قال أبي: بل ستكون أيامها أقسى وأطول عليّ، أنتِ هنا بين أولادك، أما أنا فسأكون هناك غريباً وحيداً.
    وهبت أمي متشبثة بكلمات أبي، علها تثنيه عن عزمه، أو تقصر من طول غيبته:
    - ما دام السفر شاقاً عليك، ومرهقاً لك، لماذا اخترته؟
    - إنها متطلبات الحياة يا زوجتي، الحياة تطلب منا هذا، رغم كل هذا السعي لم ننل ما نريد!!
    - إذن سنظل نلهث وراء متطلبات حتى نموت، أنا لا أريد منها كل هذا، أريدك بقربنا، أريدك قرب أولادك.
    - لا تنسى أنك زوجة تاجر، وعليكِ أن تدفعي جزءاً من ثمن حياة الترف التي تعيشينها.
    قالت أمي بحرقة ورقة:
    - هل ينبغي على زوجة التاجر أن تدفع ثمن زواجها منه بُعده وانشغاله عن بيته وأهله.
    ارتفع صوت أبي قال بحدة:
    - ماذا تقولين..؟ وهل أسعى إلا من أجل بيتي ومن أجلكِ؟
    [size=16]

    رن الجرس، كانت السيارة بانتظار أبي، وحمل أمتعته وقال كلمات الوداع على عجل:
    - اهتمي بالأولاد يا زوجتي، ولا سيما بـ (( رشا )) صارت صبية، الأولاد أمانة في عنقكِ، حافظي على الأمانة.
    - قالت أمي: لك ما تريد، لكن أرجوك ألا تترك أحداً يتدخل في شؤون بيتي، يكفينا منهم أن يوصلوا إلينا مواردنا المالية.
    - قال أبي: لكِ ما تريدين، سأفعل.. سأتصل بهم من موسكو، وداعا.. وداعاً.. وأغلقت أمي الباب وراءه.
    خرجأبي، وخرجت معه فرحةُ بيتنا، وتداعت أسواره، ذهب أبي وترك الأمانة في عنقأمي، أمانة خمسة أولاد أكبرهم أنا، ولم تكن أمي أهلاً لحمل الأمانة، فقدناءت بالحمل فأردته من فوق عاتقها، وارتمت متهالكة على فراش المرض، صارتفي غيبوبة شبه دائمة عن الدنيا، تصحو بضع ساعات في يومها وليلها.
    فقددمرها أبي.. أبي الذي طاب له المقام في موسكو، انتظرناه عاماً وعامين،تقلصت علاقته بنا مع مرور الأيام، ما عاد يتصل بنا، إذا ما اتصلنا به تهربمن الحديث معنا.
    سمعنا أنه تزوج من امرأة روسية، سمعنا أنه وهب حياته للهوى، الشائعات كثرت حوله، ما أهمني منها أن أبي صار لغيرنا.
    هنا كانت نقطة الانعطاف في مساري، وفكرت أن أنتقم من أبي لكن كيف؟ أبي كان يقول عني (( رشا )) الشقية، فلأكن مثلما قال سأسلك سلوكاً لن يرتضيه لي، وإن ارتضاه لنفسه.
    من سيمنعني من هذا؟ أبي غائب، أمي مريضة، الأقارب لا علاقة لهم بنا.
    انحسرثوبي، وضاقت ملابسي صرت ألبسها لكشف مفاتني لا لسترها، وصار همي الأكبر أنأرى نظرات الإعجاب تلاحقني، بادلت النظرة بنظرة، والابتسامة بأعرض منها،والكلمة بجملة، التف الشباب حولي، منحتهم كؤوس الغرام بلا مقابل.
    في بادئ الأمر راقت لي هذه الحياة، واستعذبتُ المسير في هذا الطريق، وحاولت أن أدل بعض صديقاتي عليه، نجحتُ أحياناً وفشلتُ كثيراً.
    ثم ماذا بعد؟!
    لاشيء سوى الخيبة، الشبان الذين منحتهم ودي رفضوني خطيبة، صديقاتي هربن منيعلى أنني جرثومة يخشين من فتكها، الأقارب جعلوا مني سيرة غواية وضلال.
    تجرعتُما استعذبته في الأمس ذلاً وهواناً، صغاراً وحيرة، خرجت من طريقي إلىاللاشيء، لا.. لا ليتني خرجت إلى اللاشيء.. خرجت بحمل كبير من الهوان..
    والضياع..والوحشة.. آهٍ ما أظلم دروب التائهين! آهٍ من مرارة سؤر الكأس التي يعبمنها الغافلون.. آهٍ من ظلم أبي.. الظلام يغرقني، المرارة تحرق كبدي.
    لكن كلماته كانت شعاع نور اخترق دياجير نفسي، كانت قطرات ماءٍ أشعرتني بشدة ظمئي، كانت يوم ميلادٍ جديد لحياتي.
    ففي ليلة ذلك اليوم – يوم مولدي – كنت جالسة إلى الهاتف، أقطع الوقت بحديث مع أحد الشبان، بعد أن نام إخوتي، وراحت أمي في غيبوبة، بعد أن تناولت القرص المهدئ.
    كنت ليلتها مسرورة، أتكلم بصوت مرتفع، أضحك أغني، لم يكن في حديثي معه ما يُكتم.

    فإذا ضحكت قال لي: ضحكتك أشبه بقرع الطبول.
    وإذا غنيت قال لي: غناؤك أشبه بصوت الطاحون.
    وإذا تحدثت قال لي: أحب الكلام المعسول.
    كان ينال من كل شيء في، يسخر مني، وكنت أتقبل منه كلامه على أنه مزاح، وهكذا بقيت في أخذ ورد معه، حتى لفت
    نظري دخان يتسرب من غرفة أمي، صرختُ، استنجدت: أمي تحترق أرجوك، أمي تحترق.

    قال لي وربما كان مازحاً: إلى الجحيم، لا خير فيكِ ولا في أمك.

    رميت السماعة، هرولتُ إلى غرفة أمي، رأيتها نائمة، وبقية سيجارة تحترق بين أصابعها، والنار تلتهم طرف فراشها.
    فتحت النوافذ والأبواب، صرخت: أنقذونا يا ناس، أمي تحترق، صرختً حتى جفت لهاتي، لم أسمع سوى صدى صوتي، يتردد في الليل والظلام.
    وهرعإلي أخوة صغار، هبوا من فراشهم مذعورين، وقد لاحت الصفرة في وجوهم، ولوىالذل رؤوسهم، نظروا برعب إلى أمي، ثم جرتُ أقدامهم الصغيرة إلى المطبخ،حملوا أوعية المياه، صبوها فوق فراش أمي.
    عند هذا فتحت أمي عينيها،نظرت في وجوه أخوتي، وابتسمت، عاودني شعور لم أشعر به منذ زمن، شعوربالحاجة إلى أم تحميني، وتدفع عني الأقاويل، والشائعات، إلى أم ترشدني،فانكببت فوقها، وعانقتها، همست في أذنها: أحبك يا أمي أحبك، أحتاج إليكِيا سر حياتي.
    في هذه الليلة ليلة ميلادي الجديد –لم تنم أمي، بقيت معها حتى الصباح حدثتها وحدثتني.. حدثتها بأحاديث شتى،معظمها سمعتها مني كان الحديث نسمة ندية في بيت كاد أن يحترق.
    وجاءالنهار بعد تلك الليلة الداجية العاصفة لملمت جراحاتي وجئت المدرسة،أنشد.. أنشد كلمة طيبة تطفئ أوار نفسي، وتشفي بعض ما فيَّ من آلام.

    ابتدأالنهار بدرسكِ. في هذا الدرس استقبلت أول شعاع نور، سأذكرك بذلك، وما أظنأنكِ نسيت. لكني سأذكر ما جرى، استعذاباً لهذه الذكرى.
    دخلتِ الفصل،وألقيت علينا التحية، ولأول مرة رددتها بأحسن منها، ثم ساد الفصل سكونعميق وسألتكِ إحدى زميلاتي: آنسة ما عنوان موضوعنا اليوم؟
    قلتِ لها: مادمت متعجلة على طرح الموضوع، ابدئي واقترحي علينا أنتِ وطرحت الطالبةعنوان موضوع وهو: (( رصد ظاهرة سلبية تفشت في المجتمع )) .
    ظهر لنا أن الموضوع راق لكِ، فألقيت أسئلة متنوعة علينا، وجاءت الإجابات متنوعة، بعضها سطحي، وبعضها وليد معاناة.
    وجاءني صوتك ينادي، بلا استخفاف ولا امتهان (( رشا )) وقفت بسرعة ورفعت إليكِ رأسي المطرق.

    - حدثيني يا (( رشا )) عن بعض الظواهر السلبية التي تؤلمك.

    قذفت الجواب بسرعة:
    - أنا كلي ظاهرة سلبية يا آنسة.

    فسألتني وطيف ابتسامة على وجهك:
    - ماذا يؤلمك من نفسك يا رشا؟
    - أكره نفسي، أكره كآبتي، أكره انهزامي وانزوائي، أكره ضياعي، أكره سفر أبي، أكره أحلامي الكاذبة.

    رأيت في عينك سحابتين توشكان أن تدمعاً وأنتِ تقولين لي:
    - صه يا رشا، المؤمن لا يقول مثل هذا.

    سرني أن أرى من يوشك أن يبكي لأجلي، ونزلت كلماتك ماء على النار الصاعدة، فأسكنتها، ورحت أستمع إلى حديثك بشغف.
    الفتاةالمؤمنة يا رشا لا تضيع، فالله سبحانه وتعالى، حدد لها طريق. الأمانوالفوز، فمشت فيه واثقة الخطى، لأنها تعرف نهاية الطريق، الله خلقنا وهوالعارف بما يصلح لنا، فلا تغرنك دعوات الجاهلين.. المؤمن لا يستوحش ولاينزوي.
    وهنا قالت لكِ إحدى طالبات الفصل:

    - كيف لا يستوحش المؤمن، ولا ينزوي، وهو يعيش مع أناس فسدت ذممهم وساء معشرهم!

    أردفتِ أنتِ بنفس الهدوء والسكينة:
    المؤمنيبدأ بإصلاح نفسه أولاً، فيكون قدوة لغيره في القول والسلوك، فإذا ما عاشرالناس، كان رحيماً بهم، مهتماً بشؤونهم، متسامحاً معهم، يدفع بالتي هيأحسن، فيغدو وعدوه ولياً حميماً، ولو فرضنا أنه عاش في وحشة من الخلطاء،فهو لا يستوحش لأنه يعيش بمعية الله.
    المؤمن لا يكتئب ولا ييأس، فأمله موصول بالله، اقرعي باب الله، أدمني القرع عليه، باب الله لا يوصد في وجه من قصده.
    المؤمن لا يندم على ما فات، ولا يترك آلام الماضي تهدد مستقبله، وتحول دونه ودون سبيل الفالحين أليس كذلك يا رشا؟؟
    كانتكلماتك الهادئة الصادقة تنشر السكينة والرضى فوقنا جميعاً، تشيع فيأرواحنا الأنس والعطر، تتسرب إلى ظلمات نفسي شعاع نور، ووميض أمل.. تنزلقماء سلسلاً، تروي ظمأ روحي، تبعث الأمل والحياة في هشيم عمري الضائع.
    وهاأنا أقف على نهاية المرحلة الثانوية، استعد لامتحان الشهادة الثانوية،بنفسية جديدة وأمل جديد وعزم جديد، بل بميلاد جديد، أمد إليكِ يدي، فمدييدك إلي ساعديني، ساعديني يا أستاذتي الكريمة، ولن أنسى لكِ جميل صنعكِ ماحييتُ(1) .


      الوقت/التاريخ الآن هو 19/9/2018, 04:30