.: انت الزائر رقم :.

    احكام المسنين

    شاطر
    avatar
    zizou

    ذكر
    عدد الرسائل : 647
    نقاط : 34282
    تاريخ التسجيل : 07/12/2008

    احكام المسنين

    مُساهمة من طرف zizou في 20/11/2010, 23:49

    أحكام المسنين


    قالالله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْبَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًاوَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54].

    قوةالشباب التي يعيش بها أجمل الأيام والذكريات مع الأصحاب والأحباب, ثم تمرالسنون والأعوام، وتتلاحق الأيام تلو الأيام، حتى يصير إلى المشيب والكبر،ويقف عند آخر هذه الحياة، فينظر إليها فكأنها نسج من الخيال أو ضرب منالأحلام، يقف في آخر هذه الحياة وقد ضعف بدنه وانتابته الأسقام والآلام،ثم بعد ذلك يفجع بفراق الأحبة والصحب الكرام، إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْمَيِّتُونَ [الزمر:3].

    عباد الله، حديثنا اليوم سيكون عن المسنين، كبار السن في مجتمعنا من الأهل والأقارب والجيران، وممن نخالطهم في المساجد والمجالس.

    إنهالكبير الذي رق عظمه وكبر سنه، وخارت قواه وشاب رأسه، إنه الكبير الذي نظرالله إلى ضعفه وقلة حيلته فرحمه وعفا عنه، قال الله تعالى: إِلاَّالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لايَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُوْلَئِكَ عَسَىاللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا[النساء:98، 99].

    نقف اليوم ـ أيها الأحبة ـ مع كبير السن، نقف معحقوقه التي طالما ضُيِّعت، ومشاعره وأحاسيسه التي طالما جُرحت، ومع آلامهوهمومه وغمومه وأحزانه التي كثرت وعظمت.

    أيها المسلمون، أصبح كبيرالسن اليوم غريبًا حتى بين أهلِه وأولاده، ثقيلاً حتى على أقربائهوأحفاده، من هذا الذي يجالسه؟! ومن هذا الذي يؤانسه؟! بل من هذا الذي يدخلالسرور عليه ويباسطه؟!

    إذا تكلم الكبير قاطعه الصبيان, وإذا أبدىرأيه ومشورته سفهه الصغار, فأصبحت حكمته وخبرته في الحياة إلى ضياعوخسران. أما إذا خرج من بيته فقد كان يخرج بالأمس القريب إلى الأصحابوالأحباب وإلى الإخوان والخلان, يزورهم ويزورونه، يقضي حوائجهم ويقضونحوائجه، أما اليوم فإن خرج فإنه يخرج إلى الأشجان والأحزان, يخرج اليومإلى أحبابه وأصحابه من أقرانه وممن كان يجالسهم، يخرج اليوم يُشيّع موتاهمويعود مرضاهم, فالله أعلم كيف يعود إلى بيته, يعود بالقلب المجروحالمنكسر, وبالعين الدامعة, وبالدمع الغزير المنهمر؛ لأنه ينتظر دوره. يرجعإلى بيته ويرى أن معظم أقرانه وجُلسائه قد فارقوا الحياة، فصار وحيدًاغريبًا ينتظر أمر الله عز وجل.

    فيا معاشر كبار السنن، الله يرحمضعفكم, الله يجبر كسركم، في الله عوض عن الفائتين, وفي الله أنسللمستوحشين. إنا لنعلم أنه قد تجعّد جلدك، وثقل سمعك، وضعف بصرك، وبطِئتحركتك، وترهلت عضلاتك، وتغيّر لون شعرك، ومع ذلك ـ فيا معاشر الكبار ـأنتم كبار في قلوبنا, وكبار في نفوسنا, وكبار في عيوننا, كبار بعظيمحسناتكم وفضلكم بعد الله علينا، أنتم الذين عَلّمتم وربيتم وبنيتم وقدمتموضحيتم، لئن نسي الكثير فضلكم فإن الله لا ينسى، ولئن جحد الكثير معروفكمفإن المعروف لا يَبْلى, ولئن طال العهد على ما قدمتموه من خيرات وتضحياتفإن الخير يدوم ويبقى، ثم إلى ربك المنتهى, وعنده الجزاء الأوفى، إِنَّالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَمَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30].

    يا معاشر الكبار، أمّا الآلاموالأسقام والأمراض التي تجدونها بسبب كبر السن فالملائكة كتبت حسناتَها,والله عظّم أجورها, وستجدونها بين يدي الله, فالله أعلم كم كان لهذهالأسقام والآلام من حسنات ودرجات, اليوم تُزعجكم وتقلقكم وتُبكيكم وتقضمضاجعكم, ولكنها غدًا بين يدي الله تفرحكُم وتضحككُم, فاصبروا على البلاء،واحتسبوا عند الله جزيل الأجر والثناء، فإن الله لا يمنع عبده المؤمن حسنالعطاء، قال : ((عجبت لأمر المؤمن، إن أمره كله خيرٌ؛ إن أصابته ضراء صبرفكان خيرًا له, وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له)). عظّم الله أجوركم,وأجزل في الآخرة ثوابكم، فأحسنوا الظن بما تجدونه عند ربكم.

    ثم يا معاشر الشباب، توقير الكبير وتقديره أدب من آداب الإسلام وسنة من سنن سيد الأنام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام.

    يامعاشر الشباب، إجلال الكبير وتوقيره وقضاء حوائجه سنة من سنن الأنبياءوشيمة من شيم الصالحين الأوفياء، قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَالرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىإِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍفَقِيرٌ [القصص:23، 24].

    يا معاشر الشباب، ارحموا كبار السن وقدروهم ووقروهم وأجلُّوهم؛ فإن الله يحب ذلك ويثني عليه خيرًا كثيرًا,

    قال النبي : ((إن من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم))،

    وقال : ((ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا)).

    إذارأيت الكبير فارحم ضعفه، وأكبر شيبَهُ, وقدِّر منزلته وارفع درجته, وفرجكربته، يَعظُم لك الثواب, ويُجزِل الله لك به الحسنى في المرجع والمآب،

    بلاعتبر بما رواه الإمام أحمد رحمه الله عن أنس أنه قال: جاء أبو بكر بأبيهأبي قحافة إلى رسول الله يوم فتح مكة، يحمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ،فقال رسول الله لأبي بكر: ((لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه)).

    يامعاشر الشباب، أحسنوا لكبار السن، لا سيما الوالدين من الآباء والأمهات،إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاتَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًاوَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:23، 24]، لا سيما إنكان الكبار من الأعمام والعمات والأخوال والخالات. كم تجلسون مع الأصحابوالأحباب من ساعات وساعات, كم تجالسونهم وتباسطونهم وتدخلون السرور عليهم,فإذا جلستم مع الأقرباء الكبار مللتم وضقتم وسئمتم, فالله الله في ضعفهم،الله الله فيما هم فيه من ضيق نفوسهم.

    يا معاشر الشباب، ما كانللكبار من الحسنات فانشروها واقبلوها واذكروها, وما كان من السيئاتوالهنات فاغفروها واستروها، فإنه ليس من البر إظهار زلة من أحسن إليكدهرا، وليس من الشيمة إعلان هفوة مَن مَا بِكَ مِن خير فبسببه.

    أيهاالمسلمون، سُئل بعض السلف فقيل له: من أسعد الناس؟ قال: أسعد الناس من ختمالله له بالخير. أسعد الناس من حسُنت خاتمته, وجاءت على الخير قيامتُه,قال : ((خيركم من طال عمره وحسن عمله, وشركم من طال عمره وساء عمله)).

    ياابن آدم، إذا رق عظمك وشاب شعرك فقد أتاك النذير، أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْمَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ [فاطر:37]؛تذكرة من الله جل جلاله, وتنبيه من الله سبحانه وتعالى رحمةً بعباده. كانالسلف الصالح رحمة الله عليهم إذا بلغ الرجل منهم أربعين سنة لزم المساجدوسأل الله العفو عما سلف، وكان يسأله الإحسان فيما بقي من الأزمان، حَتَّىإِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّأَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْأَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّوَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيإِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَالَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْسَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِيكَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:15، 16]. كانوا إذا بلغوا أربعين عامًا لزموابيوت الله, وأكثروا من ذكر الله, وأحسنوا القدوم على الله جل جلاله, أمااليوم فأبناء ستين وسبعين في الحياة يلهثون, غافلون لاهون, أما اليوم فنحنفي غفلة عظيمة، من طلوع الصباح إلى غروب الشمس والإنسان يلهث في هذهالدنيا, لا يتذكر ولا يعتبر, لا ينيب ولا يدَّكر, وتجده إذا غابت عليهالشمس وقد مُلئ بالذنوب والآثام من غفلة الدنيا وسيئاتها ينطلق إلىالمجالس, إلى مجلس فلان وعلان, وغيبة ونميمة وغيرِ ذلك مما لا يُرضي الله,فيأتي عليه يومه خاملاً كسلانًا بعيدًا عن رحمة الله.

    يا معاشرالكبار، أنتم قدوة لأبنائكم وبناتكم وأهليكم, قدوة في مجتمعاتكم، إذا جلستمع الأبناء والبنات فإن كنت محافظًا على الخير والطاعات أحبوك وهابوكوأجلّوك وأكرموك, وإن وجدوك تسب الناس وتشتمهم وتنتقصهم وتعيبهم وتغتابهمأهانوك وأذلوك ثم سبوك وعابوك, وهكذا يُجزى المحسن بالإحسان, والمسيئونبالخيبة والخسران.

    معاشر الكبار، إنكم قدوة في مجتمعاتكم، أردتم أملم تريدوا، من هم دونكم في السن ينظرون إليكم نظرة إجلال واقتداء، فالحذرالحذر من المخالفة والعصيان، إن المجتمع لا يقبل أن يُرى كبير السن سيئًافي خلقه وتعامله، لا يرضى المجتمع أن يُرى كبير السن يدخن مثلاً، فكيف بماهو أعظم من التدخين؟! أو يلاحظ عليه ما يشين. نعم يا معاشر الكبار، إن منحقكم علينا الاحترام والتقدير والمواساة، ومن حقنا عليكم القدوة وأنتكونوا نماذج يُحتذى بكم ويستفاد من خبرتكم وتجاربكم.

    قال بعض كبارالسن: اللهم أحسن لي الخاتمة, فمات بين الركن والمقام. وقال ثان: اللهمأحسن الختام, فمات وهو ساجد بين يدي الله جل جلاله. وقال ثالث: اللهم إنيأسألك حسن الخاتمة, فمات يوم الخميس صائمًا لله جل جلاله. أحسنوا الختام,وأقبلوا على الله جل جلاله بسلام، وودعوا هذه الدنيا بأحسن الأعمال وشيمالكرام، فإن الأعمال بالخواتيم.

    يا معاشر الكبار، إن مما يحفظ عليكصحتك وقوتك حتى مع كبر سنك طاعة الله جل وتعالى، وأن لا تستخدم هذهالجوارح في معصيته، وهذا شيء من معنى قول النبي : ((احفظ الله يحفظك))،أي: من حفظ الله في صباه وقوته حفظه الله في حال كبره وضعف قوته، ومتعهبسمعه وبصره وحوله وقوته وعقله.

    رُوي عن أبي الطيب الطبري رحمهالله تعالى أنه جاوز المائة سنة وهو ممتع بقوته وعقله، فركب مرة سفينة،فلما خرج منها قفز قفزةً قوية لا يستطيعها الشباب، فقيل له: ما هذا يا أباالطيب؟! فقال: ولِمَ وما عصيت الله بواحدة منها قط؟!

    وفي أزمانناالمتأخرة فإنا قد عاصرنا مثل إمام هذا العصر الإمام عبد العزيز بن باز ـرحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ـ وقد جاوز الثمانين منعمره، وهو بكامل قواه العقلية وذاكرته وحفظه، وكان رحمه الله يستحضرويُعلّم ويُدرّس ويفتي حتى آخر لحظة من حياته. ذلك فضل الله يؤتيه منيشاء. إنها جوارح متى ما حُفِظت حَفَظَت، ((احفظ الله يحفظك)).

    عنابن عمر رضي الله عنهما قال: قلّما كان رسول الله يقوم من مجلس حتى يدعوبهؤلاء الدعوات لأصحابه: ((اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبينمعاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائبالدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارثمنا))، والوارث هو الباقي، والمراد إبقاء قوته إلى وقت الكبر.

    معاشرالكبار، لقد دلّنا رسول الله إلى بعض الأعمال التي بسببها يطول عمرالإنسان، وعُدّ إطالة العمر جزاءً لهذه الأعمال الفاضلة، ومن ذلك برالوالدين وصلة الأرحام وحسن الخلق وحسن الجوار وتقوى الله عز وجل.

    إنمرحلة الشيخوخة من العمر مرحلة عصيبة، ولا عجب فلقد تعوذ منها رسول اللهفيما رواه عنه أنس أن النبي كان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من العجزوالكسل والجبن والهرم)) رواه البخاري،

    وفي رواية أخرى أنه عليه الصلاة والسلام كان يتعوذ من أن يرد إلى أرذل العمر. وقد عدّ الرسول هذه المرحلة هي آخر مرحلةٍ قبل الموت،

    عنأبي هريرة أن رسول الله قال: ((بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلافقرًا مُنسيا أو غنى مطغيا أو مرضًا مفسدا أو هرمًا مفندا أو موتًامجهزا؟!)).

    ورعاية المسنين تلزم ولي أمر المسلمين، وهي مسؤوليةشاملة لجوانب الرعاية، من اقتصادية واجتماعية وطبية ونفسية وغيرها. عنمعقل بن يسار قال: سمعت رسول الله يقول: ((ما من عبد يسترعيه الله رعيةفلم يُحِطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة)) رواه البخاري.

    أيهاالمسلمون، لقد جاءت هذه الشريعة رحمة للبشرية، ومن صور هذه الرحمة أن اللهعز وجل خص كبار السن ببعض الأحكام؛ رحمةً بهم وإشفاقًا عليهم، مراعاةًلحالتهم الصحية والبدنية، من ذلك:

    أنه أمر الأئمة في المساجدبتخفيف الصلاة مراعاة لكبار السن والمرضى، روى البخاري في صحيحه عن أبيهريرة أن رسول الله قال: ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف؛ فإن منهم الضعيفوالسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)).

    ومن الأحكام أن الأكبر سنا مقدّم في الإمامة في الصلاة إذا تساووا في قراءة القرآن.

    وأيضامن الأحكام أن كبير السن الذي لا يستوي على الراحلة يحج عنه ويعتمر ولوكان حيا، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأةٌ من خثعم عام حجةالوداع قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبيشيخا كبيرا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟قال: ((نعم)) رواه البخاري.

    ومن الأحكام الرخصة لكبير السنبالإفطار في رمضان حين عجزه، والإطعام عن كل يوم مسكينا أخذا بقول اللهتعالى: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْأَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُمِسْكِينٍ [البقرة:184].

    ومن الأحكام أنه أمر الصغير أن يسلم علىالكبير، وأن يبدأه إجلالا له وتقديرا لسنه، عن أبي هريرة قال: قال رسولالله : ((يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل علىالكثير)) رواه البخاري.

    ومن أحكام كبار السن أنه أمر أن يُبدأبتقديم الشرب للأكابر، ففي الحديث أن رسول الله كان إذا سُقي قالSad(ابدؤوا بالكبراء))، أو قال: ((بالأكابر)). ومرةً جاءه عيينة بن حصنوعنده أبو بكر وعمر وهم جلوس على الأرض، فدعا لعيينة بوسادة وأجلسه عليها،وقال: ((إذا أتاكم كبير قوم فأكرموه)).

    وأيضًا من الأحكام جواز كشفالمسنة وجهَها لغير المحارم، لكن تحجُّبُها أفضل، قال الله تعالى:وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَعَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍبِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌعَلِيمٌ [النور:60]،

    قال الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله:"والقواعد هن العجائز اللاتي لا يرغبن في النكاح ولا يتبرجن بالزينة، فلاجناح عليهن أن يسفرن عن وجوههن لغير محارمهن، لكن تحجبهن أفضل وأحوط لقولهسبحانه: وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ، ولأن بعضهن قد تحصلبرؤيتها فتنة من أجل جمال صورتها وإن كانت عجوزا غير متبرجة بزينة، أما معالتبرج فلا يجوز لها ترك الحجاب، ومن التبرج تحسين الوجه بالكحل ونحوه"انتهى.

    ومن أحكام المسنين أن الشريعة نهت عن قتل كبير السن منالعدو الكافر حال الجهاد، فقد كان رسول الله يوصي أصحابه عند بعث السراياوالجيوش في الغزوات أن لا يقتلوا صغيرًا ولا امرأةً ولا شيخًا كبيرًا، روىالطبراني عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله إذا بعث جيشًا أوسريةً دعا صاحبهم فأمره بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قالSad(اغزوا بسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، لا تغلّوا ولاتغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا ولا شيخًا كبيرًا)).

    وإن تعجبفاعجب من موقف عمر بن الخطاب مع ذلك الرجل الكبير المسنّ الضرير اليهودي،وقد ذكره أبو يوسف في كتاب الخراج أن عمر بن الخطاب مرَّ بباب قوم وعليهسائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، فقال: من أيّ أهلالكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزيةوالحاجة والسنّ، قال: فأخذ عمر بيده فذهب به إلى منزله فأعطاه من المنزلشيئًا، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ماأنصفناه إذ أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم، إِنَّمَا الصَّدَقَاتُلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ [التوبة:60]، فالفقراء هم المسلمونوالمساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.

    ألا فلتسمعالدنيا مثل هذه المعاملة، ولتسمع بخالد بن الوليد عندما صالح أهل الحيرةوجاء في صلحه معهم أنه قال: (وجعلت لهم أيّما شيخ ضعف عن العمل أو أصابتهآفة من الآفات أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيتهوعيل من بيت مال المسلمين).

    أين منظمات حقوق الإنسان اليوم عن مثلهذه الأحكام وهذه التشريعات؟! إنه لا خلاص للبشرية من الممارسات الوحشيةاليوم في العالم كله إلا بالإسلام، ويوم يرجع الإسلام لحكمه في الأرضفستنعم البشرية في ظله، وهو يوم آت لا نشك في ذلك، ولتعلمُنّ نبأه بعد حين.

    إن الغرب ـ أيها الأحبة ـ الذي يدّعي حقوق الإنسان اليوم زعموا، إليك بعض أخباره مع كبار السن عندهم:

    اقترحمستشار الرئيس الفرنسي السابق في إحدى الدراسات أن لا يعطى الشيوخ علاجًاطبيًا مكثفًا إذا تجاوز سنًّا معينة من أجل التعجيل بوفاته،

    وها هوأحد المستشفيات في الدانمارك يرفض استقبال المرضى المسنين؛ لأن إقامتهم فيالمستشفى قد تطول، ويجب أن تعطى أولوية العلاج للعاملين الذين يسهمون فيتمويل صناديق الرعاية بما يدفعونه من ضرائب، فقيمة الإنسان لديهم ليست فيذاته، وإنما في قدرته على الإنتاج، ومن لا ينتج فالموت، هذه هي الحضارةالتي ينادي بها في مجتمعاتنا أولئك المنهزمون ممن رضعوا من ألبان الغرب منأصحاب التوجهات العلمانية، ومن نحى نحوهم ممن يريدون أن يأخذوا حضارةالغرب بعجرها وبجرها. هذه الكتابات التي نقرأها يوميًا في صحفنا ومجلاتنا،والتي تنادي بالحضارة الغربية والسير في منوالها، هل يريدون أيضًا منّا أننعامل كبار السنّ عندنا على مثل ما اقترحه المستشار الفرنسي؟! رحماك ثمرحماك.

      الوقت/التاريخ الآن هو 20/11/2017, 10:42