.: انت الزائر رقم :.

    الصلح خير " او المسامح كريم "

    شاطر
    avatar
    zizou

    ذكر
    عدد الرسائل : 647
    نقاط : 34282
    تاريخ التسجيل : 07/12/2008

    a1 الصلح خير " او المسامح كريم "

    مُساهمة من طرف zizou في 6/2/2010, 15:22

    تحدّث المفسِّر الشهير الراغب الاصفهاني عن معنى الصلح فقال : «... والصلح
    يختص بإزالة النفار بين الناس ، يقال منه اصطلحوا ، أو تصالحوا ، قال
    تعالى : (أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، وأن
    تُصلِحوا وتتّقوا ، فأصْلِحوا بَينهما ، فأصْلِحُوا بين أخويكم ... ) (6) .
    ويدعو القرآن إلى سلوك سبيل الصلح في موارد متعددة من عرضه لمشاكل المجتمع والقبيلة والأسرة فيقول :
    (وَلاَ
    تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لاَِيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا
    وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (البقرة/224 )
    (يَسْـأَ
    لُونَكَ عَنِ الأَنفَـالِ قُلِ الأَنفَالُ للهِِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُـوا
    اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن
    كُنتُم مُؤْمِنِينَ ).( الأنفال / 1 )
    (وَإِن طَائِفَـتَانِ مِنَ
    المُؤْمِنِـينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْـلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَـتْ
    إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا ا لَّتِي تَبْغِي حَتَّى
    تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
    بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ * إِنَّمَا
    المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا
    اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) .( الحجرات / 9 ـ 10 )
    (وَإِن
    امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاحَ
    عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
    وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ
    اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) . ( النِّساء / 128 )
    (وَإِنْ
    خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ
    وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللهُ
    بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ). ( النِّساء / 35 )
    إنّ
    هذه المجموعة من الآيات تتحدّث عن الصلح بين الناس ، لفض المنازعات ، وحل
    المشاكل التي تحدث في الأسرة بين الزوج وزوجته ، وبين أفراد المجتمع
    بمختلف مواقع تفاعلهم وأنماط مشاكلهم بدلاً من اللّجوء إلى القضاء
    والمحاكمة ..
    إنّها دعوة إلى التعالي على الخلاف ، ونسيان الخصومة ،
    واحلال التفاهم والمحبّة بدلاً من التشاجر والشقاق .. فالصلح في منطق
    القرآن خير من الفرقة والخلاف وقطع العلاقة ، أو إنزال العقوبة والقصاص في
    الطرف الآخر .
    فانّه يريد أن يبني مجتمع الحبّ والتفاهم والمودّة
    والتسامح ، ولا يريد أن تكون العلاقة بين الناس قائمة على الخلاف
    والمواجهة والعقوبة والقطيعة والقصاص ..
    وكما ثبت القرآن مبدأ الصلح
    والعفو والصفح لحل المشاكل ، وإقامة العلاقات الطيِّبة بين الناس، دعا
    كذلك إلى التسامي على صغائر القضايا والمشاكل التي يُحدث منها الجهال
    والحمقى مشاكل معقدة .. قال تعالى Sadوَقِيلِهِ
    يَا رَبِّ إِنَّ هؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ
    وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ). ( الزخرف / 88 ـ 89 )
    (أُولئِكَ
    يُؤْتَونَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ
    بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا
    سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا
    وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ
    ). ( القصص / 54 ـ 55 )
    (وَا لَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضون). (المؤمنون/3)
    (وَا لَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً).( الفرقان / 72 )
    وهكذا تتّضح صورة الشخصية الإسلامية في المجتمع الإسلامي شخصية تتمثّل فيها صفات الربّ التي يتعامل بها مع الخلق .
    فالربّ عفوّ غفور رحيم ، يريد الخير والصلاح لهذا الإنسان ، دعاه إلى أن يعفو ويصفح ، ويلجأ إلى الصلح ..
    وكم
    هو رائع ومعبّر قول الإمام علي (عليه السلام) الذي جاء في كتابه إلى مالك
    الأشتر ، واليه على مصر : «فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك
    الله من عفوه وصفحه ، فإنّك فوقهم ، وولي الأمر عليك فوقك ، والله فوق من
    ولاك . وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم . ولا تنصبن نفسك لحرب الله فإنّه
    لا يدي لك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته . ولا تندمن على عفو ، ولا
    تبجحن بعقوبة ، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة ، ولا تقولن إنِّي
    مؤمر ، آمر فأطاع ، فانّ ذلك إدغال في القلب ، ومنهكة للدين ، وتقرب من
    الغير»(7) .
    وقد يتأثّر الإنسان بمواقف سلبية من أناس يحسن إليهم ..
    يقابلون إحسانه بالإساءة ، فيحدث في نفسه رد فعل .. فيرد على إساءتهم
    بالمثل ، فيقطع عنهم إحسانه ومعروفه ، ويحرمهم من العون المادي أو الاسناد
    الأدبي الذي يقدِّمه لهم .. والقرآن يتسامى في منهجه التربوي على ردود
    الفعل تلك ، ويطالب الإنسان المسلم أن يتسامى إلى ما هو أرقى من ردّة
    الفعل التي يوقف فيها الإنسان عمل المعروف ، بسبب إساءة المسيئين .. جاء
    ذلك في قوله تعالى :
    (وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُو الفَضْـلِ مِنكُمْ
    وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ
    وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ
    تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
    (النور/22)
    وهكذا يثبِّت القرآن للانسان منهجاً أخلاقياً يوقظ حسّه
    ووجدانه كلّما أسيء إليه ، ووقف بين قراري العفو والعقاب .. يخاطبه القرآن
    : إذاً اعفُ عن الآخرين واصفح ..
    لنقف أمام عظمة هذه الآية ، وما فيها
    من دلالات تربوية ، وأفق انساني رحب ، وقيم أخلاقية فريدة .. وتزداد عظمة
    هذه القيم عندما نعرف سبب نزول هذه الآية ..
    لقد نزلت هذه الآية إثر
    حادثة الإفك المعروفة ، والإساءة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
    ، وطعن كرامته المقدّسة من رأس النفاق ، عبدالله ابن اُبي وأفراد معه ..
    ويذكر المفسِّرون أن هؤلاء النفر وجهوا تهمة كاذبة إلى عائشة بنت أبي بكر
    زوج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأنزل الله براءتها وسمّى تلك
    التهمة إفكاً ، وعوقب الذين افتعلوه وخاضوا فيه .. فكان أحد الذين أشاعوا
    هذا الإفك هو مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر ، وكان فقيراً ينفق عليه أبو
    بكر، فلمّا خاض في الإفك قطع عنه النفقة (Cool،
    وحلف
    أن لا يقدم له أي عون ، فأنزل الله هذه الآية ، ينهى فيها عن قطع المعروف
    والمساعدة المالية عن اُولئك الذين أساؤوا ، بعد أن دعا إلى العفو والصفح
    عمّا صدر منهم ، فتراجع أبو بكر عن قراره وعاد للنفقة على مسطح ، ثمّ أتمّ
    الوحي بيانه بفقرة ذات دلالة تعبدية أخلاقية عظيمة ، وهي الربط بين العفو
    عن الناس وبين طلب العفو من الله سبحانه .. انّه تذكير للإنسان الذي يسيء
    ثمّ يستغفر ويرجو العفو والمغفرة من الله سبحانه .. إنّ القرآن يثير في
    نفسه الاحساس الأخلاقي فيقول له : كما انّك تريد العفو من الله فاعط العفو
    من نفسك للناس .. فالله يعفو عنك فاعف عن الناس .. فلِمَ تحبّ العفو من
    الله لنفسك ، ولا تمنحه من نفسك للناس .. ؟!
    انّ هذا الموقف يشكِّل خللاً أخلاقياً يا أ يُّها الإنسان .
    * * *
    (وَعِبَادُ
    الرَّحْمـنِ ا لَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا
    خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً). (الفرقان/63)
    (وَقِيلِهِ
    يَا رَبِّ إِنَّ هؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَ يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ
    وَقُلْ سَلاَمٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) . (الزخرف/88 ـ 89)
    (... فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ العَلِيمُ ) .( الحجر / 85 ـ 86 )
    وكما
    تحدّث القرآن عن العفو عن المسيء،لتحقيق أهدافه في الحياة،تحدّث عن
    الصفح،والصفح الجميل، والإعراض عن الجاهلين.. إنّ القرآن يريد أن يشيع روح
    المحبّة والتسامح .. ذلك لأنّ السعادة في المحبّة ، والشقاء في الحقد
    والكراهية .. فحيثما توجد المحبّة ، توجد السعادة.. والعقاب والقصاص، وإن
    كانا عدلاً لردع المجرمين والمنحرفين، وإشاعة الأمن في المجتمع ، إلاّ
    انّهما لا يحققان المحبّة ، وكلاهما ضروري للحياة ، العدل والتسامح ..
    وفي
    هاتين الآيتين : نجد شكوى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من أناس
    تنكروا للعقل والعلم ، وأصرّوا على العدوانية وأذى الرسول (صلى الله عليه
    وآله وسلم) ومواجهة الدعوة ، وأغلقوا منافذ النور ، ليعيش الإنسان في
    متاهات الظلام .. والقرآن ينقل هذه الشكوى: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ... )
    ويضع للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)منهج التعامل مع هذا الصنف من الناس
    ; ليفتح أمامهم مرّة أخرى سُبل العـودة ، ويهيِّئ الأجواء النفسية لتقبل
    الدعوة .. فتقبل الفكر والعقيدة مسـألة يتفاعل فيها العقل مع المشاعر
    والوجدان .. لذا أمر بأن يصفح عنهم ويقول لهم : «سلام» .. لم يطالبه بأن
    يواجههم بكلمة التعنيف والزجر والقطيعة والاستفزاز ، بل طلب منه أن يصفح
    عن هذا الخصم العقـيدي ، ويقول : «سلام» .. ذلك هو واجبك أ يُّها النبيّ
    الداعية .. انّهم سوف يتحمّلون مسؤوليتهم ، سيلاقون ربّهم فسوف يعلمون
    الحقيقة التي أنكروها وعادوها ، وسيواجهون مصيرهم ..
    وفي مورد آخر نجد
    القـرآن يوجِّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أسلوب دعوته للإسلام
    ليخاطب الناس بأحسن الوسائل والأساليب ، فان أعرضوا فليصفح عنهم الصفح
    الجميل .. الصفح الذي ليس فيه مطالبة بشيء ، ولا حرص على شيء في أيديهم ..
    لذا
    خاطبه بقوله : (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) الصفح الجميل، وليس صفح
    المتحامل الذي يضمر العداء ويخطط للكيد والانتقام .. انّه الخلق الربّاني
    ، ونفحات الرّحمة تشع من أفق القرآن .. انّها دعوة الرّحمن إلى عباد
    الرّحمن .. نقرأ ذلك واضحاً مرّة أخرى في وصفه لعباد الرّحمن الذين تشبعوا
    بخلق الرّحمن .. نجد ذلك في قوله تعالى :
    (وَعِبَادُ الرَّحْمنِ ا
    لَّذِينَ يَمْشُـونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ
    الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً ) .( الفرقان / 63 )
    تلك سـلوكية
    الإنسان المؤمن التي يريدها القرآن لا كبرياء ولا كراهية ، بل التواضع
    والعفو عن الناس .. ومقابلة الجاهلين المسيئين بالعفو والصفح .. إنّ
    الجاهل المعادي وربّما غير المعادي يطلق كلمة الإسـاءة والاسـتفزاز أو
    الإثارة .. وردّ فعل المؤمـن هو الصـفح عن الجاهلين ومُقابلة الإساءة
    بالإحسـان بقوله : «سلاماً» لا ردّ بالمثل ، ولا كراهية ولا عدوان ..
    إنّها روح الحبّ والسلام .
    وإذاً فلنبنِ مجتمع العفو والتسامح ، مجتمع
    الصلح والاصلاح ، مجتمع الصفح الجميل ، مجتمع الإعراض عن اللّغو ، مجتمع
    العدل والإحسان الذي نادى به القرآن .



      الوقت/التاريخ الآن هو 20/11/2017, 10:43